فصل: تفسير الآيات رقم (84- 86)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً‏}‏، روي عن الضحاك أنه قال‏:‏ لم يكن أحد من الكفار أجرأ على الله تعالى من اليهود، حين قالوا‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بأفواههم يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 30‏]‏ وقالوا‏:‏ إن الله فقير وقالوا أيضاً ‏{‏لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً‏}‏، أي مقدار الأيام التي عبد فيها العجل آباؤنا‏.‏ وهي أربعون يوماً‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً‏}‏، أي عدد أيام الدنيا وهي سبعة أيام‏.‏ وهكذا روي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال‏:‏ وقال بعضهم كان مذهبهم مذهب جهم في أنهم لا يرون الخلود في النار‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا‏}‏، قال الزجاج‏:‏ معناه أعهد إليكم ألا يعذبكم إلا هذا المقدار، إن كان لكم عهد‏؟‏ ‏{‏فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ‏}‏، أي وعده‏.‏ ويقال‏:‏ أعقدتم عند الله عقداً‏؟‏ وهو عقد التوحيد فلن يخلف الله عهده أي وعده‏.‏ وقد قيل‏:‏ هل أنزل عليكم بذلك آية‏؟‏ ‏{‏أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏، أي بل تقولون على الله ما لا تعلمون‏.‏ وروي في الخبر أنهم إذا مضت عليهم في النار تلك المدة، قالت لهم الخزنة‏:‏ يا أعداء الله ذهب الأجل وبقي الأبد، فأيقنوا بالخلود‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 82‏]‏

‏{‏بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏81‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

قال الله تعالى ‏{‏بلى‏}‏، أي يخلد فيها ‏{‏مَن كَسَبَ سَيّئَةً‏}‏، يعني الشرك ‏{‏وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ‏}‏، أي مات على الشرك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ السيئة الشرك، والخطيئة الكبائر‏.‏ وهو قول المعتزلة‏:‏ إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار‏.‏ وقال الربيع بن خثيم‏:‏ ‏{‏وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ‏}‏ الذين يموتون على الشرك‏.‏ قرأ نافع ‏{‏خطاياه‏}‏ وهو جمع خطيئة‏.‏ والباقون ‏{‏خَطِيئَتُهُ‏}‏ وهي خطيئة واحدة والمراد به الشرك‏.‏ ‏{‏فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏ أي دائمون لا يخرجون منها أبداً‏.‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏، معناه والذين صدقوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، يعني أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي، ‏{‏أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون‏}‏، أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ‏}‏، أي وقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة، يعني بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقال‏:‏ الميثاق الأول حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله‏}‏، قرأ حمزة والكسائي وابن كثير ‏{‏لا تَعْبُدُونَ‏}‏ بالياء، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة؛ فمن قرأ بالياء، معناه وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلا الله؛ ومن قرأ بالتاء فمعناه‏:‏ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل وقلنا لهم‏:‏ لا تعبدوا إلا الله، يعني أخذنا عليهم الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، يعني لا توحدوا إلا الله‏.‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانا‏}‏، نصب إحساناً على معنى أحسنوا إحساناً فيكون إحساناً بدلاً من اللفظ، أي أحسنوا إلى الوالدين براً بهما وعطفاً عليهما‏.‏ وفي هذه الآية بيان حرمة الوالدين، لأنه قرن حق الوالدين بعبادة نفسه‏.‏ ويقال‏:‏ ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا يقبل إحداها بغير قرينتها‏.‏ إحداها‏:‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 92‏]‏، والثانية‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشكر لِى ولوالديك إِلَىَّ المصير‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 14‏]‏، والثالثة‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة واركعوا مَعَ الراكعين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 43 وغيرها‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَذِى القربى‏}‏، يعني أحسنوا إلى ذي القربى ‏{‏واليتامى‏}‏، ‏{‏و‏}‏ إلى ‏{‏الْمَسَاكِينِ‏}‏‏.‏ والإحسان إلى اليتامى والمساكين أن يحسن إليهم بالصدقة وحسن القول‏.‏ ‏{‏والمساكين وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا‏}‏، قرأ حمزة والكسائي بنصب الحاء والسين، وقرأ الباقون برفع الحاء وسكون السين‏.‏ فمن قرأ بالنصب فمعناه‏:‏ قولوا للناس حَسَناً يعني قولوا لهم قولاً صدقاً في نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته كما بيّن في كتابكم‏.‏ ونظيرها في سورة طه ‏{‏فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفاً قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 86‏]‏، أي وعداً صدقاً‏.‏ ومن قرأ بالرفع، فمعناه قولوا لجميع الناس حَسَناً يعني‏:‏ خالقوا الناس بالخُلُق الحسن، فكأنه يأمر بحسن المعاشرة وحسن الخلق مع الناس‏.‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏، يعني أقروا بها وأدوها في مواقيتها‏.‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏، المفروضة ‏{‏ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ‏}‏، يعني أعرضتم عن الإيمان والميثاق، ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ‏}‏، وهو عبد الله بن سلام وأصحابه‏.‏ ‏{‏وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ‏}‏، أي تاركون لما أخذ عليكم من المواثيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 86‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ‏(‏84‏)‏ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏85‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏86‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم‏}‏، أي إقراركم ‏{‏لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ‏}‏، أي بأن لا تسفكوا دماءكم، يعني لا يهرق بعضكم دماء بعض، ‏{‏وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏، أي لا يخرج بعضكم بعضاً ‏{‏مّن دياركم‏}‏‏.‏ فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق أَلا يعبدوا إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقولوا للناس حسناً، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ولا يسفكوا دماءهم، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأن يفادوا أسراهم‏.‏ فذكر المفاداة بعد هذا حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم‏}‏ على وجه التقديم والتأخير‏.‏ ‏{‏ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ‏}‏، يعني بني قريظة والنضير، يعني أقررتم بهذا كله، وأنتم تشهدون أن هذا في التوارة، فنقضوا العهد فعيّرهم الله تعالى بذلك حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ‏}‏، يعني يا هؤلاء ويقال معناه، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضاً، ‏{‏وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم‏}‏، أي بعضكم بعضاً، لأنه كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة‏:‏ إحدى القبيلتين كانت معينة للأوس، والأخرى كانت معينة للخزرج، فإذا غلبت إحداهما على الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم‏.‏ وفي الآية دليل أن الإخراج من الدار ينزل منزلة القتل، لأن الله تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم‏}‏‏.‏

‏{‏تظاهرون علَيْهِم‏}‏، قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله تتظاهرون، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه، معناه‏:‏ تتعاونون عليهم ‏{‏بالإثم والعدوان‏}‏، يعني بالمعصية والظلم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ العدوان هو الإفراط في الظلم‏.‏ ‏{‏وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم‏}‏، قرأ عاصم والكسائي ونافع ‏{‏أسارى تفادوهم‏}‏ كلاهما بالألف، وقرأ حمزة ‏{‏أسارى تفادوهم‏}‏ بغير ألف فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ‏{‏أسارى تفادوهم‏}‏ الأول بالألف والثاني بغير ألف‏.‏ وهذا من الميثاق الذي أخذ عليهم بأن يفادوا الأسارى‏.‏ ‏{‏وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ‏}‏ هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج، فكأنه يقول‏:‏ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم وهو محرم عليكم إخراجهم، يعني ذلك الإخراج كان محرماً، ثم بيَّن الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام، فقال وهو محرم عليكم إخراجهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏، لأنهم كانوا إذا أسروا من غيرهم قتلوا الأسرى ولا يفادوهم، وإن أسر منهم أحد يأخذوهم بالفداء، فهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏‏.‏ ‏{‏فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي الحياة الدنيا‏}‏، أي عقوبة من يفعل ذلك منكم خزي في الحياة الدنيا، وهو إخراج بني النضير إلى الشام وقتل بني قريظة، وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم‏.‏

ثم أخبر بأن الذي أصابهم في الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم ولكنهم‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ‏}‏، أي في الآخرة ‏{‏إلى أَشَدّ العذاب‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ الخزي في الدنيا الجزية‏.‏

‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏، أي لا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء، فيجازون بأعمالهم‏.‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين اشتروا الحياة الدنيا بالاخرة‏}‏، يعني اختاروا الدنيا على الآخرة ‏{‏فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏، أي ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى في الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏87‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب‏}‏، أي أعطينا موسى التوراة جملة واحدة ويقال‏:‏ الألواح ‏{‏وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل‏}‏، أي أتبعنا وأردفنا، معناه‏:‏ أرسلنا رسولاً على أثر رسول‏.‏ يقال‏:‏ قفوت الرجل إذا ذهبت في أثره‏.‏ ‏{‏وَءاتَيْنَا‏}‏ أي أعطينا ‏{‏عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات‏}‏، أي الآيات والعلامات مثل‏:‏ إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ‏{‏وأيدناه بِرُوحِ القدس‏}‏‏.‏ قرأ ابن كثير ‏{‏القدس‏}‏ بسكون الدال، وقرأ الباقون ‏{‏القدس‏}‏ برفع الدال؛ ومعناهما واحد، أي إغاثة بجبريل حين أرادوا قتله فرفعه إلى السماء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ أيدناه أي قويناه وأعناه باسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى‏.‏

‏{‏أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم‏}‏ يقول‏:‏ بما لا يوافق هواكم ‏{‏استكبرتم‏}‏، تعظمتم عن الإيمان‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معناه أنفتم أن تكونوا له أتباعاً‏.‏ لأنهم كانت لهم رياسة وكانوا متبوعين، فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرياسة‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ‏}‏، مثل عيسى ابن مريم ومحمد صلى الله عليهم وعلى جميع الأنبياء وسلم ‏{‏وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ‏}‏، مثل يحيى وزكريا عليهما السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 90‏]‏

‏{‏وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏88‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏89‏)‏ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏90‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ‏}‏، قرأ ابن عباس ‏{‏غُلْفٌ‏}‏ بضم اللام وهي قراءة شاذة‏.‏ والباقون بسكون اللام، أي ذو ‏(‏غلْف‏)‏ يعني ذو غلاف، والواحد أغلف مثل‏:‏ أحمر وحمر‏.‏ ومعناه‏:‏ أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك‏.‏ وهذا كما قال في آية أخرى ‏{‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عاملون‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وأما من قرأ ‏{‏غُلْفٌ‏}‏ فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر‏.‏ يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك، فلو كنت نبياً لفهمنا قولك‏.‏ قال الله تعالى رداً لقولهم‏:‏ ‏{‏بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ‏}‏ أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لكفرهم‏.‏ ‏{‏فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ‏}‏، صار نصباً لأنه قدم المفعول‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إيمانهم بالله قليلاً، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معناه أنهم لا يؤمنون، كما قال‏:‏ فلان قليل الخير يعني لا خير فيه‏.‏

ثم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب مّنْ عِندِ الله‏}‏ أي حين جاءهم القرآن ‏{‏مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ‏}‏، أي موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع‏.‏ ويقال‏:‏ مصدق لما معهم، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة‏.‏ ‏{‏وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ‏}‏، أي من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستنصرون على المشركين، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه‏.‏ وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين مشركي العرب يستفتحون عليهم، أي يستنصرون ويقولون‏:‏ اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا وكانوا يرجون أن يكون منهم فينصروا على عدوهم، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ‏}‏، أي باسم النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ‏}‏، أي محمد صلى الله عليه وسلم وعرفوه ‏{‏كَفَرُواْ بِهِ‏}‏ وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا‏.‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين‏}‏، أي سخط الله وعذابه على الجاحدين محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ‏}‏‏.‏ قال الكلبي‏:‏ بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقال‏:‏ بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل الله عليهم، بعد ما كانوا خرجوا من الشام على أن ينصروا محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقال‏:‏ بئس ما صنعوا بأنفسهم حسداً منهم، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله بَغْيًا‏}‏، أي حسداً منهم‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏أَن يُنَزّلُ الله‏}‏، أي كفروا مما ينزل الله‏.‏ ‏{‏مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء‏}‏، أي لم يؤمنوا لأجل أن الله تعالى ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء ‏{‏مِنْ عِبَادِهِ‏}‏، من كان أهلاً لذلك وهو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏أَن يُنَزّلُ الله‏}‏ بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وعصام وابن عامر بالتشديد ‏{‏أَن يُنَزّلٍ‏}‏؛ ونزل ينزل بمعنى واحد ‏{‏فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ‏}‏ أي استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة‏.‏ قال مقاتل‏:‏ الغضب الأول حين كفروا بعيسى صلى الله عليه وسلم، ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويقال‏:‏ الغضب الأول حين عبدوا العجل، والغضب الثاني حين استحلوا السمك في يوم السبت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ أي يهانون فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏91‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ‏}‏، أيّ صدِّقوا بالقرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهم يهود أهل المدينة ومن حولها‏.‏ ‏{‏قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا‏}‏ في التوراة وبموسى عليه السلام ‏{‏وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ‏}‏، يعني بما سواه وهو القرآن‏.‏ ‏{‏وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ‏}‏، أي القرآن هو الصدق، وهو منزل من الله تعالى موافق لما معهم، يعني أنهم إذا جحدوا بالقرآن صار جحوداً لما معهم، لأنهم جحدوا بما هو مصدق لما معهم فقالوا له‏:‏ إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به أنبياؤنا، ولم يكن لنا نبي إلا كان يأتينا بقربان تأكله النار‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله مِن قَبْلُ‏}‏ وقد جاؤوا بالقربان والبينات أي بالعلامات ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏، أي إن كنتم مصدقين بالأنبياء‏.‏ فهذا اللفظ للمستأنف وهو قوله ‏{‏فَلِمَ تَقْتُلُونَ‏}‏، ولكن المراد منه الماضي وإنما خاطبهم وأراد به آباءهم‏.‏ وفي الآية دليل أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء، فسماهم الله تعالى قاتلين‏.‏ وفي الآية دليل أن من ادعى أنه مؤمن، ينبغي أن تكون أفعاله مصدقة لقوله، لأنهم كانوا يدعون أنهم مؤمنون بما معهم‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله‏}‏، يعني أي كتاب يجوِّز قتل نبي من الأنبياء عليهم السلام وأي دين وإيمان جوَّز فيه ذلك يعني قتل الأنبياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏92‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاءكُم موسى بالبينات‏}‏، أي بالآيات والعلامات‏.‏ ويقال‏:‏ بالحلال والحرام والحدود والفرائض‏.‏ ‏{‏ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ‏}‏، أي عبدتم العجل ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏، يعني بعد انطلاق موسى إلى الجبل‏.‏ ‏{‏وَأَنتُمْ ظالمون‏}‏، أي كافرون بعبادتكم العجل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏93‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ‏}‏، أي بجد ومواظبة في طاعة الله تعالى ‏{‏واسمعوا‏}‏، أي قيل لهم اسمعوا، ‏{‏قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا‏}‏‏.‏ قال في رواية الكلبي‏:‏ قالوا‏:‏ سمعنا قولك وعصينا أمرك، ولولا مخافة الجبل ما قبلنا‏.‏ ويقال‏:‏ إنهم يقولون في الظاهر‏:‏ سمعنا، ويضمرون في أنفسهم‏:‏ وعصينا أمرك‏.‏ ‏{‏وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ‏}‏، أي جعل حلاوة عبادة العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم‏.‏ ويقال‏:‏ حب عبادة العجل فحذف الحب، وأقيم العجل مقامه؛ ومثل هذا يجري في كلام العرب‏.‏ كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 82‏]‏، أي أهل القرية، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم‏}‏، أي بئس الإيمان الذي يأمركم بالكفر‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ معناه إن كان حب عبادة العجل في قلوبكم يعدل حب عبادة خالقكم، فبئس ما يأمركم به إيمانكم ‏{‏إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏ كما تزعمون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 96‏]‏

‏{‏قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏94‏)‏ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏95‏)‏ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ الله خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ‏}‏ أي الجنة‏.‏ وذلك أن اليهود كانوا يقولون‏:‏ إن الجنة لنا خاصة من دون سائر الناس‏.‏ قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ قل لهم‏:‏ إن كان الأمر كما يقولون إن الجنة لكم خالصة خاصة‏.‏ ‏{‏فَتَمَنَّوُاْ الموت‏}‏، أي سلوا الله الموت ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ أن الجنة لكم‏.‏ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قُولُوا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏:‏ اللَّهُمَّ أَمِتْنَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إلاّ غَصَّ بِرِيقِهِ ‏"‏، يعني يموت مكانه‏.‏ فأبوا أن يقولوا ذلك، فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يعني بما عملوا من المعاصي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، لأنه قال لهم‏:‏ فتمنوا الموت، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فلم يتمنه واحد منهم‏.‏ وفي هذه الآية دليل أن «لن» لا تدل على التأبيد، لأنهم يتمنون الموت في الآخرة خلافاً لقول المعتزلة في قولهم‏:‏ لن تراني ويقال‏:‏ إن قوله ‏(‏لن‏)‏ إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة، ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم، ولو أنهم سألوا الموت في الدنيا ولم يموتوا، وكان في ذلك تكذيباً لقول النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في ذلك أيضاً ذهاب معجزته‏.‏ فلما لم يتمنوا الموت، ثبت بذلك عندهم أنه رسول الله وظهر عندهم معجزته، وظهر أن الأمر كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏والله عَلِيمٌ بالظالمين‏}‏، فهو عليم بهم وبغيرهم من الظالمين؛ وإنما الفائدة هاهنا أنه عليم بمجازاتهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة‏}‏، يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء‏.‏ ‏{‏وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ‏}‏، يعني أحرص من الذين أشركوا‏.‏ قال الكلبي‏:‏ الذين أشركوا يعني المجوس‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا يعني مشركي العرب‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يصح تفسير الكلبي والمجوس لا يسمون مشركين‏؟‏ قيل له‏:‏ المجوس مشركون في الحقيقة، لأنهم قالوا بإلهين اثنين‏:‏ النور والظلمة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ‏}‏، يعني المجوس يقولون لملوكهم في تحيتهم‏:‏ عش عشرة آلاف سنة وكل ألف نيروز‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يود أحدهم يعني اليهود ‏{‏لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ‏}‏، يعني طول حياته لا يبعده ولا يمنعه من العذاب وإن عاش ألف كما تمنى‏.‏ ‏{‏والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏ أي عالم بمجازاتهم بأعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 98‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏97‏)‏ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ‏(‏98‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ‏}‏ ‏{‏وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لليهود‏:‏ ما لكم لا تؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قالوا‏:‏ لأن جبريل هو الذي ينزل عليه بالوحي، فلو نزل عليه ميكائيل بالوحي لآمنا به، لأن ميكائيل ملك الرحمة وجبريل ملك العذاب‏.‏ وهو عدونا فأطلع محمداً على سرنا، فنزلت هذه الآية‏.‏ ويقال‏:‏ إنهم يقولون‏:‏ إن النبوة كانت فينا، فجبريل صرف النبوة عنا إلى غيرنا لعداوته معنا فنزلت هذه الآية ‏{‏قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ‏}‏‏.‏ قال بعضهم‏:‏ في الآية مضمر، ومعناه‏:‏ قل من كان عدواً لجبريل ويبغضه جبريل هو الذي ‏{‏نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ‏}‏، ينزل بالقرآن فيقرأه عليك فتحفظه في قلبك ‏{‏بِإِذْنِ الله مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ من التوراة‏.‏ ويقال‏:‏ هذا على وجه الترغيم، فكأنه يقول‏:‏ قل من كان عدواً لجبريل، فإن جبريل هو الذي ينزل عليك رغماً لهم بهذا القرآن عليك، ليثبت به فؤادك‏.‏ ‏{‏وهدى‏}‏ وهذا القرآن هدى من الضلالة ‏{‏وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏ أي لمن آمن به من المؤمنين ‏{‏مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ‏}‏، معناه من كان عدواً لجبريل فإنه عدو الله ‏{‏وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين‏}‏، يعني اليهود‏.‏

ويقال‏:‏ إن عبد الله بن صوريا هو الذي قال لعمر‏:‏ إن جبريل عدونا لأنه ينزل بالشدة والخوف، وميكائيل ينزل بالرخاء، فنزلت هذه الآية ‏{‏مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ‏}‏‏.‏ قرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر جَبْرَئِيلَ بفتح الجيم والراء والهمزة، وميكائيل‏.‏ بالياء مع الهمزة‏.‏ وقرأ نافع ‏{‏جِبرِيل‏}‏ بكسر الجيم والراء بغير همزة ‏{‏ومِكَالَ‏}‏ بالهمزة بغير ياء‏.‏ وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص بغير همزة بكسر الجيم والراء وميكال بغير همز وياء‏.‏ وقرأ ابن كثير جبريل بنصب الجيم بغير همزة وميكايل بهمز مع الياء‏.‏ وقرأ ابن عامر جبريل بكسر الجيم مثل قراءة نافع وميكائيل بالياء مع المد والهمز مثل حمزة وإنما لا ينصرف لأنه اسم أعجمي، فوقع ذلك في لسان العرب واختلفوا فيه لاختلاف ألفاظهم ولغاتهم‏.‏ ويقال‏:‏ إن جبريل وميكائيل معناه عبد الله وعبد الرحمن أي بلغتهم سوى العربية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏99‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏للكافرين وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات‏}‏ أي واضحات‏.‏ ويقال‏:‏ مبينات للحلال والحرام‏.‏ ‏{‏وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون‏}‏، يعني وما يجحد بالآيات إلاَّ الكَافِرُونَ والْفَاسِقُونَ واليهود ومشركو العرب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 101‏]‏

‏{‏أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏100‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا‏}‏، وهو العهد الذي بُيِّن لهم في التوراة ويوم الميثاق ‏{‏نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم‏}‏، أي تركه ولم يعمل به فريق منهم، أي طائفة منهم‏.‏ ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ وقد ذكرناه‏.‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله‏}‏، أي محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ‏}‏، أي يدعوهم إلى تصديق ما معهم، ‏{‏نَبَذَ فَرِيقٌ‏}‏، أي طرح فريق ‏{‏مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ‏}‏ ولم يؤمنوا به، ‏{‏كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ في كتابهم بأن محمداً رسول الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏اتبعوا مَا تَتْلُو الشياطين‏}‏، أي ما كتبت الشياطين ويقال‏:‏ ما ألقت الشياطين ويقال‏:‏ ما افتعلته الشياطين ‏{‏على مُلْكِ سليمان‏}‏، أي على عهد ملك سليمان‏.‏ ويقال‏:‏ على بمعنى في، أي في ملك سليمان‏.‏ ويقال‏:‏ في وقت ذهاب ملك سليمان‏.‏ ويقال‏:‏ هذا منسوق على الأول، فكأنّه قال‏:‏ نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين، أي تركوا سنة أنبياء الله واتبعوا السحر‏.‏ ويقال‏:‏ تركوا شيئين واتبعوا شيئين‏:‏ تركوا اتباع الكتب واتباع الرسل والعمل بذلك، واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ترويه الشياطين ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هاروت وماروت‏}‏‏.‏

واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم إن سليمان عليه السلام أمر بأن لا يتزوج المرأة من غير بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل يقال لها‏:‏ ضبنة بنت صابورا، فعاقبه الله تعالى بأن أجلس مكانه شيطاناً؛ وكان الناس يظنون أنه سليمان وأشكل عليهم أمره، فجاؤوا إلى آصف بن برخيا، وكان معلم سليمان بن داود في حال صغره وكان وزيره في حال كبره وملكه فقالوا له‏:‏ إن قضاياه لا تشبه قضايا سليمان‏.‏ فقام آصف ودخل على نساء سليمان فسألهن عن ذلك فقلن‏:‏ إن كان هذا سليمان فقد هلكتم والله ما يعتزل منا حائضاً، وما يغتسل من جنابة‏.‏ هكذا ذكر في رواية الكلبي‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ هذا خطأ لأن نساء الأنبياء معافيات معصومات عن الفواحش، فلا يجوز أن يظن بهن أن الشيطان يقربهن‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كان هذا على وجه الخيال لا على وجه الحقيقة، لأن الشيطان روحاني وليس له جسم، فلا يجوز أن تقع بينه وبين آدمي شهوة ولكن كان يريهن ذلك على وجه الخيال‏.‏ فلما عرف الشيطان أن الناس علموا بحاله، كتب سحراً كثيراً وجعله تحت كرسيه وألقى خاتم سليمان في البحر وهرب‏.‏ وكان سليمان عليه السلام خرج إلى ساحل البحر وأجَّر نفسه للملاحين كل يوم بسمكتين، فلما أعطوه أجره، باع إحداهما واشترى به الخبز وشق بطن الأخرى، فوجد الخاتم في بطنها فرجع إلى ملكه؛ فلما توفي سليمان جاء الشيطان على صورة آدمي وقال‏:‏ إن أردتم أن تعلموا علم سليمان بن داود عليهما السلام فانظروا تحت كرسيه‏.‏ فنظروا وحفروا ذلك الموضع وأخرجوا كتباً كثيرة فوجدوا فيها السحر والكفر، فقال العلماء منهم‏:‏ لا يجوز أن يكون هذا من علم سليمان، وقال السفهاء منهم‏:‏ بل هذا من علم سليمان واتبعوه، فنزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء عذراً لسليمان عليه السلام‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان وَمَا كَفَرَ سليمان‏}‏، أي ما كان ساحراً‏.‏

وفي الآية دليل أن الساحر كافر لأنه سمى السحر كفراً‏.‏ وروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى جزء بن معاوية وهو عم الأحنف بن قيس، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن الشياطين كَفَرُواْ‏}‏، أي هم الذين كتبوا السحر‏.‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏ولكن الشياطين‏}‏ بكسر النون من غير تشديد ورفع الشياطينُ، وقرأ الباقون بتشديد النون مع النصب وبفتح النون في ‏{‏الشياطين‏}‏‏.‏ وهذا هو الأصل في اللغة، أن كلمتي إن ولكن إذا كانا مشددين ينصب ما بعدهما، وإن لم يكونا مشددين يرفع ما بعدهما‏.‏

وقال بعضهم لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويعلمون الناس السحر والنيرنجات، فكان سليمان يأخذ ذلك منهم ويدفنه تحت الأرض، فلما مات سليمان قالت الشياطين للناس‏:‏ إن علم سليمان مدفون في موضع كذا وكذا، فحفروا ذلك الموضع وأخرجوا منه كتباً كثيرة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ معناه أن سليمان كان إذا أصبح كل يوم، رأى نباتاً بين يديه فيقول له‏:‏ لأي دواء أنت‏؟‏ فيقول‏:‏ إني دواء لكذا وكذا، وإن اسمي كذا كذا‏.‏ فكان سليمان يكتب ذلك ويدفنه، فنبت يوماً من الأيام نبات بين يديه فقال له سليمان‏:‏ ما اسمك‏؟‏ فقال‏:‏ خرنوب‏.‏ فقال له‏:‏ لأي دواء أنت‏؟‏ فقال‏:‏ إني لخراب المسجد‏.‏ فعلم سليمان أنه قد جاء أجله، لأنه علم أن المسجد لا يخرب في حياته، وكان له صحيفة فيها يكتب أسماء الأدوية ويضعها في الخزانة، فكتبت الشياطين سحراً ووضعوه في ذلك الموضع، فلما مات سليمان وجدوا ذلك في كتبه فاتبعه بعض الناس فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين‏}‏، أي واتبعوا الذي أنزل على الملكين ‏{‏بِبَابِلَ هاروت وماروت‏}‏‏.‏ وقال القاضي الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدثنا الماسرجي فقال‏:‏ حدثنا إسحاق قال‏:‏ حدثنا حكام بن سلم الرازي قال‏:‏ حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين‏}‏‏.‏ قال‏:‏ إن الناس بعد آدم وقعوا في الشرك، واتخذوا هذه الأصنام، وعبدوا غير الله تعالى، فجعلت الملائكة يدعون عليهم ويقولون‏:‏ ربنا خلقت عبادك فأحسنت خلقهم، ورزقتهم فأحسنت رزقهم، فعصوك وعبدوا غيرك‏.‏ فقال لهم الرب عز وجل‏:‏ إنهم في عذر، وقيل‏:‏ في عيب فجعلوا لا يعذرونهم ولا يقبلون ويدعون عليهم‏.‏ فقال لهم الرب‏:‏ اختاروا منكم اثنين‏.‏ فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطهما الله تعالى إلى الأرض فأمرهما ونهاهما عن الزنى وقتل النفس وشرب الخمر، فمكثا زماناً في الأرض يحكمان بالحق‏.‏ وكان في ذلك الزمان امرأة فضِّلت بالحسن على سائر النساء، فأتيا عليها فخضعا لها بالقول وراوداها عن نفسها فقالت‏:‏ لا حتى تصليا لهذا الصنم، أو تقتلا هذه النفس، أو تشربا هذه الخمر‏.‏

فقالا‏:‏ أهون الثلاثة شرب الخمر‏.‏ فلما شربا الخمر سجدا للصنم وفعلا بالمرأة وقتلا النفس، فكشف الغطاء فيما بينهما وبين الملائكة، فنظروا إليهما وما يفعلان، فجعلت الملائكة يعذرون بني آدم أهل الأرض ويستغفرون لمن فيها فقيل لهاروت وماروت‏:‏ اختارا إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة‏.‏ فقالا‏:‏ عذاب الدنيا يذهب وينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له ثم اختاروا عذاب الدنيا‏.‏ فهما يعذبان إلى يوم القيامة‏.‏

وروي في الخبر أن المرأة تعلمت منهما اسم الله الأعظم، فصعدت به إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكباً‏.‏ ويقال‏:‏ هو الكوكب الذي يقال له الزهرة‏.‏ وروي عن ابن عمر أنه كان إذا نظر إلى الزهرة لعنها ويقول‏:‏ هي التي فتنت هاروت وماروت‏.‏ وروي عن علي رضي الله عنه هذا‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا لا يصح، لأن هذا الكوكب قد كان خلقه في الأصل حين خلق النجوم، وجعل مقادير الأشياء على سبع من الكواكب، وجعل لكل كوكب سلطاناً، وجعل سلطان الزهرة الرطوبة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إن كوكب الزهرة قد كان، ولكن الله تعالى مسخ هذه المرأة على شبه الكوكب فهي تعذب هناك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ قد صارت إلى النار، كما أن سائر الأشياء التي مسخت لم يبق منها أثر فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين‏}‏، يعني اليهود اتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت‏.‏

‏{‏وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى‏}‏، قال بعضهم‏:‏ هذا الحرف أعني ‏{‏مَا‏}‏ للنفي، فكأنه يقول‏:‏ ولم ينزل على الملكين السحر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إن إبليس لعنه الله قد جاء بالسحر ووضعه عند أقدامهما، وهما معلقان بالسلة فتذهب اليهود تتعلم السحر من تلك الكتب والملكين‏.‏ ‏{‏يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ‏}‏، أي فلا تتعلم السحر، لأنه لا يجوز للملكين أن يعلِّما الكفر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ويبينان أن عمل السحر كفر، وينهيان عن التعلم ويبيِّنان كيفية السحر وهو بمنزلة رجل قال لآخر‏:‏ علِّمني ما الزنى أو علمني ما السرقة فيقول‏:‏ إن الزنى كذا وكذا، وهو حرام فلا تفعل وإن السرقة كذا وكذا هي حرام فلا تفعل‏.‏ كذلك هاهنا الملكان يقولان‏:‏ السحر كذا وكذا، وهو كفر فلا تكفر‏.‏ وقرأ بعضم ‏{‏وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين‏}‏ بكسر اللام وهي قراءة شاذة، يعني كانا ملكين في بني إسرائيل فمسخهما الله تعالى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ‏}‏ أي اختبار وابتلاء‏.‏ وأصل الفتنة الاختبار‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا‏}‏ أي من الملكين‏:‏ ‏{‏مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ‏}‏، أي فيتعلمون منهما من السحر ما يفرقون به بين الرجل وزوجته، يؤخذ الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على الجماع‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله‏}‏، أي بإرادة الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ‏}‏، أي ما يضر في الدنيا ولا ينفعهم في الآخرة، يعني السحر‏.‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق‏}‏، يعني اليهود علموا في التوراة أن من اختار السحر ما له في الآخرة من خلاق يعني نصيب‏.‏ والخلاق في اللغة‏:‏ هو النصيب الوافر‏.‏ ‏{‏وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏، أي باعوا به، يعني بئسما باعوا به أنفهسم‏.‏ ويقال‏:‏ بئس ما اختاروا لأنفسهم السحر على كتاب الله تعالى وسنن أنبيائه لو كانوا يعلمون، ولكنهم لا يعلمون‏.‏ فإن قيل‏:‏ ذكر في الآية الأولى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه‏}‏ وفي هذه الآية يقول‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ فمرة يقول‏:‏ يعلمون، ومرة يقول‏:‏ لا يعلمون‏.‏ فالجواب أن يقال‏:‏ إنهم يعلمون ولكن لا منفعة لهم في علمهم، وكل عالم لا يعمل بعلمه فليس بعالم، لأنه يتعلم العلم لكي ينتفع به، فإذا لم ينتفع به فكأنه لم يتعلم، فكذلك ها هنا ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏، لو كانوا يعرفون للعلم حقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 104‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏103‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏104‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ واتقوا‏}‏، يعني اليهود لو صدقوا بثواب الله واتقوا السحر، ‏{‏لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ‏}‏ يعني كان ثواب الله تعالى خيراً لهم من السحر والمثوبة والثواب بمعنى واحد وهو الجزاء على العمل وكذلك الأجر ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏، فهذا نداء المدح، يقول‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏‏.‏ صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد، ‏{‏لاَ تَقُولُواْ راعنا‏}‏‏.‏ وذلك أن المسلمين كانوا يأتون رسول الله عليه السلام ويقولون‏:‏ يا رسول الله راعنا، وهو بلغة العرب‏:‏ أرعني سمعك‏.‏ وأصله في اللغة‏:‏ راعيت الرجل إذا تأملته وتعرفت أحواله‏.‏ وكان هذا اللفظ بلغة اليهود سباً بالرعونة، فلما سمعت اليهود ذلك من المسلمين، أعجبهم ذلك وقالوا فيما بينهم‏:‏ كنا نسب محمد سراً فالآن نسبه علانية، فكانوا يأتونه ويقولون له‏:‏ راعنا يا محمد، ويريدون به السب‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كان في لغتهم معناه اسمع لا سمعت، فنزلت هذه الآية ‏{‏يَعْلَمُونَ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا‏}‏‏.‏ نهى المسلمين أن لا يقولوا بهذا اللفظ، وأمرهم أن يقولوا بلفظ أحسن منه‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُولُواْ انظرنا واسمعوا‏}‏ ما تؤمرون به‏.‏ ثم ذكر الوعيد للكفار فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏، يعني اليهود‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏راعنا‏}‏ بالتنوين‏.‏ وقال القتبي‏:‏ من قرأ ‏{‏راعنا‏}‏ بالتنوين جعله اسماً منه، مثاله‏:‏ أن تقول‏:‏ لا تقولوا حمقاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏105‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏، يعني يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران‏.‏ ‏{‏وَلاَ المشركين‏}‏، يعني مشركي العرب ‏{‏أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ‏}‏، يعني أن ينزل على رسولكم من الوحي وشرائع الإسلام لأنهم كانوا كفاراً، فيحبون أن يكون الناس كلهم كفاراً مثلهم‏.‏ وهذا كما قال في آية أخرى ‏{‏وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 89‏]‏‏.‏ فأخبر الله تعالى أن الأمر ليس على مرادهم حيث قال ‏{‏والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء‏}‏، أي يختار للنبوة من يشاء، من كان أهلاً لذلك ويكرم بدينه الإسلام من يشاء، ‏{‏والله ذُو الفضل العظيم‏}‏، أي ذو المن العظيم لمن اختصه بالنبوة والإسلام‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ كان قوم من الأنصار يدعون حلفاءهم ومواليهم من اليهود إلى الإسلام‏.‏ فقالوا للمسلمين‏:‏ إن الذين تدعوننا إليه هو خير مما نحن فيه وعليه، وددنا لو أنكم على هذا، فنزل قوله ‏{‏والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء‏}‏ أي بدينه الإسلام من يشاء‏.‏ ونظيرهما في سورة هل أتى ‏{‏وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحدة ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ والظالمون مَا لَهُمْ مِّن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 8‏]‏، أي في دين الإسلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏106‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا‏}‏، قرأ ابن عامر ‏{‏مَا نَنسَخْ‏}‏ برفع النون وكسر السين، وقرأ الباقون ‏{‏مَا نَنسَخْ‏}‏ بالنصب ومعناهما واحد‏.‏ وقرأ أبو عمرو وابن كثير ‏{‏أَوْ‏}‏ بنصب النون والسين والهمزة، وقرأ الباقون ‏{‏ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا‏}‏ برفع النون وكسر السين بغير همز‏.‏ فمن قرأ ‏{‏نَنْسَأهَا‏}‏ أي نؤخرها، ومنه النسيئة في البيع وهو التأخير‏.‏ ومن قرأ ‏{‏أَوْ نُنسِهَا‏}‏ أي نتركها مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 67‏]‏ أي تركهم في النار، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا‏}‏ ما ننسخ من آية فلا نعمل بها ‏{‏أَوْ نُنسِهَا‏}‏ ندعها غير منسوخة والنسخ رفع الشيء وإقامة غيره مقامه، وفي الشرع رفع كل حكم قبل فعله أو بعده إذا كان مؤقتاً‏.‏ ثم قال تعالى ‏{‏نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا‏}‏، يعني أهون وألين منها على الناس ‏{‏أَوْ مِثْلِهَا‏}‏ في المنفعة‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ النسخ في اللغة، هو إبطال شيء وإقامة شيء آخر مقامه، والعرب تقول‏:‏ نسخت الشمس الظل إذا أزالته‏.‏ ‏{‏أَوْ نُنسِهَا‏}‏ أي نتركها، معناه أي نأمركم بتركها‏.‏ وقال أبو عبيد القاسم بن سلام‏:‏ النسخ له ثلاثة مواضع ولكل منها شواهد ودلائل، فأحدها‏:‏ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ ‏{‏مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ‏}‏ أي نبدلها ونوضحها، وما روي عن مجاهد أنه قال‏:‏ نثبت خطها، ونبدل حكمها‏.‏ فهذا هو المعروف عند الناس‏.‏ الثاني‏:‏ أن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها ولهذا دلائل جاءت فيه، من ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ذات يوم صلاة الغداة، فترك آية، فلما فرغ من صلاته قال‏:‏ ‏{‏هَلْ فِيكُمْ أُبَيٌّ‏}‏‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ ‏(‏قال‏:‏ هَلْ تَرَكْتُ مِنْ آيَة‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏]‏ تركت آية كذا، أنسخت أم نسيت قال‏:‏ «لا، ولكن نَسِيتُ» وجاءت الآثار في نحو هذا، لأن الآية قد تنسخ بعد نزولها وترفع‏.‏ والنسخ الثالث‏:‏ تحويله من كتاب إلى كتاب، وهو ما نسخ من أم الكتاب، فأنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏أَوْ‏}‏ أي نتركها في اللوح المحفوظ‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لا يجوز النسخ فيما يرفع كله بعد نزوله، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 9‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 17‏]‏ ولكن أكثر أهل العلم قالوا‏:‏ يجوز ذلك‏.‏ والنسخ يجوز في الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا يجوز في القصص والأخبار، لأنه لو جاز ذلك يكون كذباً، والكذب في القرآن لا يجوز‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ‏}‏ من الناسخ والمنسوخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏107‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏ يحكم فيهما ما يشاء بأمره ثم يأمر بغيره‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الملك في اللغة‏:‏ هو تمام القدرة، وأصل هذا من قولهم‏:‏ ملكت العجين إذا بالغت في عجنه‏.‏ ومعنى الآية إن الله يملك السموات والأرض وما فيهما، فهو أعلم لما يصلحهم فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغير متروك‏.‏ وكان اليهود أعداء الله ينكرون النسخ، وكانوا يقولون حين تحولت القبلة إلى الكعبة‏:‏ لو كنتم على الحق فلم رجعتم‏؟‏ ولو كان هذا الثاني حقاً، فقد كنتم على الباطل، وكانوا لا يرون النسخ في الشرائع، لأن ذلك حال البداء والندامة‏.‏ ولا يجوز ذلك على الله‏.‏ ولكن الجواب أن يقال‏:‏ إن الله تعالى يدبر في أمره ما يشاء، كما أنه خلق الخلق ولم يكونوا، ثم يميتهم بعد ذلك ثم يحييهم؛ كذلك يجوز أن يأمر بأمر ثم يأمر بغير ذلك الأمر كما أن شريعة موسى عليه السلام لم تكن من قبل، فأمره بذلك‏.‏ والمعنى في ذلك‏:‏ أنه حين أمرهم بالأمر الأول كان الصلاح في ذلك الوقت في هذا الأمر ثم إذا أمر بأمر آخر كان الصلاح في ذلك الوقت في الأمر الثاني، وهذا المعنى قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والارض‏}‏، يعني هو أعلم بأمر الخلق، وبما يصلحهم في كل وقت‏.‏ ثم بين الوعيد لمن لم يؤمن بالناسخ والمنسوخ فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏، أي من قريب ينفعكم ولا نصير، أي ولا مانع يمنعكم من عذاب الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ‏}‏، قال مقاتل‏:‏ معناه أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل‏؟‏ أي كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام حيث قالوا‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَءَاتَيْنَا موسى سلطانا مُّبِيناً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏‏.‏ ويقال‏:‏ إن اليهود سألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطلبوا القربان كما كان لموسى، عليه السلام‏.‏ وروي عن الضحاك أنه قال‏:‏ دخل جماعة من كفار قريش فيهم أبو جهل وغيره، فقالوا لرسول الله‏:‏ إن كنت نبياً فاكشف عنا الغطاء، حتى نرى الله جهرة، فنزلت الآية ‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ‏}‏ حيث قالوا‏:‏ ‏{‏أَرِنَا الله جَهْرَةً‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان‏}‏، أي يختار الكفر على الإيمان، ‏{‏فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل‏}‏، أي أخطأ قصد السبيل وهو طريق الهدى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏109‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏؛ وذلك أن المسلمين لما أصابتهم المحنة يوم أحد، قالت اليهود لعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان‏:‏ قد أصابكم ما أصابكم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، فنزلت هذه الآية ‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏ أي يريد ويتمنى كثير من أهل الكتاب ‏{‏لَوْ يَرُدُّونَكُم‏}‏، أي يصدونكم ويردونكم عن التوحيد ‏{‏مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا‏}‏ إلى الكفر‏.‏

ثم أخبر أن هذا القول لم يكن منهم على وجه النصيحة، ولكن ذلك القول كان ‏{‏حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ‏}‏ ما في التوراة أنه ‏{‏الحق‏}‏، يعني أن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، ‏{‏فاعفوا واصفحوا‏}‏، أي‏:‏ اتركوهم وأعرضوا عنهم ‏{‏حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ‏}‏، يعني الأمر بالقتال؛ وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب، ثم أمرهم بعد ذلك بالقتال، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون‏}‏ إلى قوله ‏{‏قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ من النصرة للمسلمين على الكفار‏.‏ ويقال‏:‏ هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏، أي أقروا بالصلاة وأدوها في مواقيتها بركوعها وسجودها وخشوعها، ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏، أي وأعطوا الزكاة المفروضة ‏{‏وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله‏}‏، أي ما تصدقتم من صدقة وعملتم من العمل الصالح، تجدوه عند الله محفوظاً يجزيكم به‏.‏ ونظير هذا ما قال في آية أخرى ‏{‏يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ والله رَءُوفُ بالعباد‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 30‏]‏، وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وروي أنه مكتوب في بعض الكتب‏:‏ يا بني آدم، ضع كنزك عندي لا سرق ولا حرق ولا فساد، تجده حين تكون أحوج إليه‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏، يعني عالم بأعمالكم يجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏111- 112‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏111‏)‏ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُوا‏}‏، يعني اليهود والنصارى وهم يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران‏.‏ ‏{‏لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى‏}‏ واليهود جماعة الهائد، وإنما أراد به اليهود‏.‏ وهذا من جوامع الكلم وهذا كلام على وجه الاختصار، فكأنه يقول‏:‏ وقالت اليهود‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً‏.‏ وقالت النصارى‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً‏.‏ قال الله تعالى رداً لقولهم‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ‏}‏، أي ظنهم وأباطيلهم‏.‏ وهذا كما يقال للذي يدعي مالاً يبرهن عليه‏:‏ إنما أنت متمن، وإنما يراد به‏:‏ إنك مبطل في قولك‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَاتُواْ برهانكم‏}‏، أي حجتكم من التوراة أو من الإنجيل‏.‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏، أي بأن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً أو نصرانياً‏.‏ ‏{‏بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ‏}‏، معناه بل يدخل الجنة غيركم، من أسلم وجهه لله، أي من أخلص دينه لله وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَهُوَ مُحْسِنٌ‏}‏ في عمله، ‏{‏فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ‏}‏، أي ثوابه في الجنة‏.‏ ‏{‏وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ من العذاب حين يخاف أهل النار، ‏{‏وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ حين يحزن أهل النار‏.‏ ويقال‏:‏ ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمر الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ الخوف إنما يستعمل في المستأنف، والحزن في الماضي، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءاتاكم والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 23‏]‏ ويقال‏:‏ الخوف ثلاثة‏:‏ خوف الأبد، وخوف العذاب على الانقطاع، وخوف الحشر والحساب‏.‏ فأما خوف الأبد فيكون أمناً للمسلمين، وخوف العذاب على الانقطاع يكون أمناً للتائبين، وخوف الحشر والحساب يكون أمناً للمحسنين‏.‏ والمحسنون يكونون آمنين من ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏113‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَئ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَئ‏}‏ من أمر الدين‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ صدقوا ولو حلفوا على ذلك ما حنثوا، لأن كل فريق منهم ليس على شيء‏.‏ ‏{‏وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب‏}‏، أي عندهم ما يخرجهم من ذلك الاختلاف أن لو نظروا فيه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معناه، كلا الفريقين يتلون الكتاب وبينهم هذا الاختلاف، فدلّ ذلك على ضلالتهم‏.‏ ‏{‏كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏، أي الذين ليسوا من أهل الكتاب قالوا‏:‏ لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا‏.‏ ‏{‏فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة‏}‏، يعني أنه يريهم من يدخل الجنة عياناً ومن يدخل النار عياناً ويبيّن لهم الصواب ‏{‏فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏، أي في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏114‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏114‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله‏}‏، قال في رواية الكلبي معناه ومن أكفر‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا التفسير غير سديد، لأن الكفر كله سواء‏.‏ ولكن معنى قول الكلبي ومن أكفر يعني من أشد في كفره، لأن الكفار وإن كانوا كلهم في الكفر سواء، فربما يكون بعضهم في كفره أشد شراً من غيره‏.‏ قال الكلبي‏:‏ نزلت هذه الآية في شأن ططوس بن أسفيانوس الرومي، حيث خرب بيت المقدس وألقى فيه الجيفة، فكان خراباً إلى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه وسعى فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا‏}‏، فلم يدخلها بعد عمارتها رومي إلا خائفاً ومستخفياً لو علم أنه رومي قتل‏.‏ قال قتادة‏:‏ هم النصارى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هم اليهود والنصارى ويقال‏:‏ من أراد أن يكون ملكاً عليهم، لا يمكنه ذلك ما لم يكن دخل مسجد بيت المقدس، فيجيء ويدخله مستخفياً‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏، أي بفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينة وعمورية وأرمينية‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج عام الحديبية إلى مكة، ومنعه أهل مكة فرجع، ولم يدخلها في تلك السنة، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه وسعى فِى خَرَابِهَا‏}‏، أي سعى ومنع المسلمين عن الصلاة، وذكر الله فيها لأن عمارة المسجد بالصلاة، وذكر الله فيها وخرابها في ترك ذلك‏.‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ‏}‏ بعد فتح مكة، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا خائفين، ‏{‏لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ‏}‏ وهو فتح مكة، ‏{‏وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ لمن مات على كفره وقتل‏.‏ وروى الزجاج عن بعض أهل العلم قال‏:‏ نزلت في شأن جميع الكفار، لأن الكفار كانوا يقاتلون المسلمين ويمنعونهم من الصلاة، فقد منعوا المسلمين من الصلاة في جميع المساجد، لأن الأرض كلها جعلت مسجداً وطهوراً‏.‏ ومعناه ومن أظلم ممن خالف ملة الإسلام‏؟‏ قال‏:‏ ومعنى قوله ‏{‏أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ‏}‏، يعني دار الإسلام ولهم في الدنيا خزي وظهور الإسلام على سائر الأديان لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 33 وغيرها‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏؛ قد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية‏.‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ خرج رهط في سفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابهم الضباب، فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب، فلما طلعت الشمس وذهب الضباب، استبان لهم ذلك، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك؛ فنزلت هذه الآية ‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏، يعني أينما تولوا وجوهكم في الصلاة فثم وجه الله قال بعضهم‏:‏ فثم قبلة الله‏.‏ ويقال يعني‏:‏ فثم رضا الله‏.‏ ويقال‏:‏ فثم ملك الله‏.‏ وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن قوماً خرجوا إلى السفر وذكر القصة نحو هذا‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ المراد به الصلاة على الدابة‏.‏ قال الفقيه‏:‏ حدثنا محمد بن سعيد المروزي قال‏:‏ حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال‏:‏ حدثنا علي بن شيبة قال‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون قال‏:‏ حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته التطوع، حيث ما توجهت به وهو جاءٍ من مكة، ثم قرأ ابن عمر‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ في هذا نزلت هذه الآية‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس، فلما أمر بالتحول إلى الكعبة، قالت اليهود‏:‏ مرة تصلون هكذا، ومرة تصلون هكذا، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ‏}‏، أي الواسع الجواد المحسن الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل عليم بصلواتكم‏.‏ ويقال‏:‏ الواسع الغني عن صلاة الخلق؛ وإنما يطلب منهم النية الخالصة ويقال‏:‏ واسع يعني يوسع عليكم أمر الشرائع، ولم يضيق عليكم الأمر‏.‏ ويقال‏:‏ واسع، يعني واسع الفضل‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏{‏فَثَمَّ وَجْهُ الله‏}‏، أي اقصدوا وجه الله بنيتكم القبلة، كقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 144‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 117‏]‏

‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ‏(‏116‏)‏ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏117‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا‏}‏، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام ‏{‏قَالُواْ‏}‏ بغير واو‏.‏ وقرأ الباقون بالواو، ومعناهما واحد إلا أن الواو للعطف وذلك أن اليهود قالوا‏:‏ عزير ابن الله، وقالت النصارى‏:‏ المسيح ابن الله، وقال بعض المشركين‏:‏ الملائكة بنات الله‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحانه‏}‏، نزّه نفسه عن الولد ‏{‏بَل لَّهُ مَا فِي السموات والارض‏}‏ كلهم عبيده ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏، يعني به المؤمنين خاصة، أي مطيعين مقرين بالعبودية له موحدين مجيبين للطاعة‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن لفظ الآية عام والمراد به الخاص‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏ يعني به المؤمنين خاصة‏.‏ ويقال معناه‏:‏ أثر صنعه وشواهد توحيده ودلائل ربوبيته في جميع ما في السموات والأرض موجود‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏كُلٌّ لَّهُ قانتون‏}‏ أي لا يستطيع كل خلق أن يغير نفسه عن خلقته، فأخبر الله تعالى أن جميع ما في السموات والأرض له وهو خالق الأشياء، وهو المستغني عن الولد سبحانه وتعالى‏.‏

‏{‏بَدِيعُ *** السموات والارض‏}‏، أي خالقهما‏.‏ والإبداع في اللغة‏:‏ إنشاء شيء لم يُسْبَقْ إليه على غير مثال ولا مشورة‏.‏ وإنما قيل لمن خالف السنة‏:‏ مبتدع، لأنه أتى بشيء لم يسبقه إليه الصحابة ولا التابعون‏.‏ ومعناه هو خالق السموات والأرض‏.‏ ‏{‏وَإِذَا قضى أَمْرًا‏}‏، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً، ‏{‏فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ هذه الآية نزلت في شأن وفد نجران السيد والعاقب وغيرهما‏.‏ وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل رأيت خلقاً من غير أب‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏}‏، كما كان آدم من غير أب وأم، كذا عيسى ابن مريم خلقه بغير أب‏.‏ فإن قيل‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏كُنَّ‏}‏ هذا الخطاب للموجود أو للمعدوم‏؟‏ فإن قال‏:‏ للمعدوم‏.‏ قيل له‏:‏ كيف يصح الخطاب لشيء معدوم‏؟‏ وكيف يصح الإشارة إليه بقوله‏:‏ ‏{‏كُنَّ‏}‏‏؟‏ فإن قال‏:‏ الخطاب للموجود‏.‏ قيل له‏:‏ كيف يأمر الشيء الكائن بالكون فالجواب عن هذا من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الأشياء كلها كانت موجودة في علم الله تعالى قبل كونها، فكان الخطاب للموجود في علمه‏.‏ وجواب آخر‏:‏ أن معناه إذا قضى أمراً فإنما يقول له‏:‏ كن فيكون، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً يخلقه، والقول فيه على وجه المجاز‏.‏ قرأ ابن عامر ‏{‏فَيَكُونُ‏}‏ بالنصب، لأن جواب الأمر بالفاء، وقرأ الباقون بالرفع على معنى الاستئناف بمعنى فهو يكون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏118‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏، أي لا يعلمون توحيد الله تعالى، ومعناه‏:‏ وقال الجهال من الناس وهم الكفار‏:‏ ‏{‏لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله‏}‏، أي هلا يكلمنا الله فيخبرنا بأنك رسوله، ‏{‏وَقَالَ الذين لاَ‏}‏، أي علامة لنبوتك‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ‏}‏، أي قال اليهود لموسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَءَاتَيْنَا موسى سلطانا مُّبِيناً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 153‏]‏‏.‏ ‏{‏تشابهت قُلُوبُهُمْ‏}‏، أي في القسوة والكفر‏.‏ ويقال‏:‏ تشابهت كلمتهم كما تشابهت قلوبهم‏.‏ ‏{‏قَدْ بَيَّنَّا الآيات‏}‏، يعني أمرك في التوراة أي العلامات لنبوتك إنك نبي مرسل الصفة والنعت‏.‏ ويقال‏:‏ قد بينا العلامات لنبوتك‏.‏ ويقال‏:‏ لم يكن لنبي من الأنبياء معجزة وعلامة إلاّ وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مثلها‏.‏ ‏{‏لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏}‏، يعني مؤمني أهل التوراة‏.‏ ويقال‏:‏ من كان له عقل وتمييز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏119- 120‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ‏(‏119‏)‏ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏120‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا وَنَذِيرًا‏}‏، أي بالقرآن‏.‏ ويقال بالحق يعني بالدعوة إلى الحق‏.‏ ويقال‏:‏ بالحق أي لأجل الحق‏.‏ ويقال‏:‏ أي بالدعوة إلى الحق‏.‏ ويقال‏:‏ ببيان الحق‏.‏ ‏{‏بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم‏}‏؛ قرأ نافع ‏{‏وَلاَ تُسْئَلُ‏}‏ بنصب التاء وجزم اللام، والباقون بضم التاء واللام‏.‏ فمن قرأ بالرفع، فمعناه أنك إذا بلغت الرسالة، فإنك قد فعلت ما عليك، ولا تُسْأَلُ عن أصحاب الجحيم فيما فعلوا، وهذا كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 4‏]‏ وأما ومن قرأ بالنصب، فهو على معنى النهي، أي لا تَسألْ عن أصحاب الجحيم أي عما فعلوا‏.‏ قال القاضي الخليل بن أحمد‏:‏ أخبرنا الديلمي قال‏:‏ أخبرنا أبو عبيد الله قال‏:‏ حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لَيْتَ شِعْرِي مَا فُعِلَ بأَبَوَيَّ» فنزلت هذه الآية ‏{‏إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم‏}‏ الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى‏}‏، يعني أهل المدينة ونصارى أهل نجران ‏{‏حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‏}‏، أي تصلي إلى قبلتهم‏.‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى‏}‏، يعني إن قبلة الله هي الكعبة ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم‏}‏، أي صليت إلى قبلتهم ‏{‏بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏، أي من بعد ما ظهر لك‏:‏ أن القبلة هي الكعبة، ‏{‏مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ‏}‏ ينفعك ‏{‏وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏، أي مانعاً يمنعك‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ‏{‏وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‏}‏، أي حتى تدخل في دينهم، وذلك أن الكفار كانوا يطلبون الصلح، وكان يرى أنهم يسلمون، فأخبره الله تعالى أنهم لا يسلمون، ولن يرضوا عنه، حتى يتبع ملتهم فنهاه الله عن الركون إلى شيء مما يدعونه إليه‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى‏}‏، يعني دين الله هو دين الإسلام‏.‏ ‏{‏وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم‏}‏؛ وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته، أي لئن اتبعت دينهم بعد ما جاءك من العلم، أي بعد ما ظهر أن دين الإسلام هو الحق ‏{‏مَا لَكَ مِنَ الله‏}‏، أي من عذاب الله ‏{‏مِن وَلِىّ‏}‏ ينفعك ‏{‏وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏، أي مانع يمنعك منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏121‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ‏}‏، يعني مؤمني أهل الكتاب يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ يتبعونه حق اتباعه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن ابن مسعود قال‏:‏ والله إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأ حق قراءته كما أنزل الله تعالى، ولا يحرَّف عن مواضعه‏.‏ ويقال‏:‏ يقرؤونه حق قراءته‏.‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقونه‏.‏ ‏{‏وَمن يَكْفُرْ بِهِ‏}‏، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقال‏:‏ بالقرآن، ‏{‏فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون‏}‏، وهو كعب بن الأشرف وأصحابه‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب، وهم اثنان وثلاثون رجلاً قدموا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، وكانوا يتبعون القرآن حق اتباعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏122- 123‏]‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏122‏)‏ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الخاسرون يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِىَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ قد ذكرناها من قبل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏124‏]‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات‏}‏، قرأ ابن عامر ‏{‏أبرَاهَامَ‏}‏، وروي عنه أنه قرأ ‏{‏أَبْرَهَمَ‏}‏ وهي لغة بعض العرب، وقرأ غيره ‏{‏ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ في جميع القرآن‏.‏ وهي اللغة المعروفة وهو اسم أعجمي ولهذا لا ينصرف‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ أمر الله تعالى إبراهيم بعشر خصال من السنن خمس في الرأس، وخمس في الجسد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا‏.‏ حدثنا أبي قال‏:‏ حدثنا محمد بن الفضل البلخي قال‏:‏ حدثنا أبو بشر محمود بن مهدي، قال‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون، عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «عَشْرٌ مِمَّا عَلِمَهُنَّ وَعَمِلَ بِهِنَّ أَبُوكُمْ إبْرَاهِيمُ عليه السلام خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الجَسَدِ؛ فَأَمَّا الَّتِي فِي الرَّأْسِ‏:‏ فَالسِّوَاكُ وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا الَّتِي في الجَسَدِ فَالخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَالاسْتِنْجَاءُ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ» ويقال‏:‏ ‏{‏وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات‏}‏، أي اختبره‏.‏ والاختبار من الله تعالى أن يظهر حاله ليستوجب الثواب، لأن الله تعالى لا يعطي الثواب والعقاب بما يعلم ما لم يظهر منه ما يستوجب الثواب والعقاب، كما علم من إبليس الكفر، ولم يلعنه ما لم يختبره ويظهر منه ما يستوجب به اللعنة والعقوبة‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏، يعني عمل بهن‏.‏ ويقال‏:‏ كان إبراهيم أفضل الناس في زمانه، وكرم على الله تعالى فابتلاه الله عز وجل بخصال لم يبتل بها غيره، فكان من الابتلاء أن أمه ولدته في غار‏.‏ ومن الابتلاء حيث نظر إلى الكوكب فقال‏:‏ هذا ربي‏.‏ وروى الحسن أنه قال‏:‏ كان الابتلاء بثلاثة أشياء؛ أولها‏:‏ الابتلاء بالكوكب والشمس والقمر، والثاني‏:‏ بالنار، والثالث‏:‏ بأمر سارة‏.‏ ويقال‏:‏ كل من كان أكرم على الله كان ابتلاؤه أشد، لكي يتبين فضله ويستوجب الثواب‏.‏ كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه‏:‏ يا بني الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلايا‏.‏ ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏، أيّ عمل بهن‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَأَتَمَّهُنَّ‏}‏ أي وفى بهن، فلما وفّى الأمر جعله الله تعالى إماماً للناس ليقتدوا به‏.‏ وفي هذا دليل‏:‏ أن الإنسان لا يبلغ درجة الأخيار إلا بالتعب وجهد النفس، فلما جعله الله تعالى إماماً، ‏{‏قَالَ‏}‏ له‏:‏ ‏{‏إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا‏}‏ والإمام الذي يؤتم به فأعجبه ذلك، وتمنى أن يكون ذلك لذريته بعده مثل ذلك، ف ‏{‏قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى‏}‏، يعني اجعلهم أئمة يقتدى بهم‏.‏ ‏{‏قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين‏}‏، يعني الكافرين، يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماماً للناس‏.‏ ويقال‏:‏ لا تصيب رحمتي الكافرين‏.‏ فالله تعالى أخبره أنه يكون في ذريته كفار، وأخبره أنه لا ينال عهده من كان كافراً‏.‏

قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين‏}‏ أي الكافرين يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماماً للناس‏.‏ ويقال‏:‏ لا تصيب الرحمة الكافر‏.‏ فالله تعالى أخبره أنه يكون في ذنبه وأخبره أنه لا ينال عهده من كفر وكان كافراً‏.‏ قرأ حمزة وعاصم رواية حفص ‏{‏لاَ يَنَالُ عَهْدِي‏}‏ بسكون الياء‏.‏ وقرأ الباقون بنصب الياء ‏{‏عَهْدِي الظالمين‏}‏ وهما لغتان ومعناهما واحد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏125‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً‏}‏، يقول‏:‏ وضعنا البيت، يعني الكعبة معاداً لهم، يعودون إليه مرة بعد مرة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ مجمعاً للناس يثوبون إليه من كل جهة، وفي كل سنة فلا يقضون منها وطراً‏.‏ ‏{‏وَأَمْناً‏}‏، أي جعلناه أمناً لمن التجأ إليه، يعني من وجب عليه القصاص‏.‏ ولهذا قالوا‏:‏ لو أن رجلاً وجب عليه القصاص فدخل الحرم، لا يقتص منه في الحرم‏.‏ وهكذا روي عن ابن عمر أنه قال‏:‏ لو وجدت قاتل عمر في الحرم، ما هيجته، أي ما أزعجته ولكن يمنع منه المنافع، حتى يضطر ويخرج فيقتص منه‏.‏ ويقال‏:‏ آمناً لغير الممتحنين، وهي الصيود إذا دخلت الحرم أمنت‏.‏ ويقال‏:‏ آمناً من الجذام‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى‏}‏، قرأ نافع وابن عامر ‏{‏واتخذوا‏}‏ بفتح الخاء على وجه الخبر، معناه‏:‏ جعلنا البيت مثابة للناس فاتخذوه مصلى‏.‏ وقرأ الباقون بكسر الخاء على معنى الأمر‏.‏ قال‏:‏ حدثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدثنا الديلمي قال‏:‏ حدثنا أبو عبيد الله قال‏:‏ حدثنا سفيان، عن زكريا بن زائدة، عمن حدثه، عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت يوم الفتح، فلما فرغ من طوافه أتى المقام فقال‏:‏ «هذا مَقَامُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ»، فقال عمر‏:‏ أفلا تتخذه مصلى يا رسول الله، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى‏}‏ ويقال‏:‏ المسجد الحرام كله مقام إبراهيم عليه السلام هكذا روي عن مجاهد وعطاء‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل‏}‏، أي أمرنا إبراهيم وإسماعيل‏:‏ ‏{‏أَن طَهّرَا بَيْتِىَ‏}‏، أي مسجدي من الأوثان، ويقال‏:‏ من جميع النجاسات، ثم قال‏:‏ ‏{‏لِلطَّائِفِينَ‏}‏، أي طهرا المسجد من الأوثان والنجاسات، لأجل الطائفين الذين يطوفون بالبيت وهم الغرباء، ‏{‏والعاكفين‏}‏ وهم أهل الحرم المقيمون بمكة من أهله وغيرهم ‏{‏والركع السجود‏}‏، أي أهل الصلاة من كل جهة من الآفاق‏.‏ قرأ نافع وعاصم في رواية حفص ‏{‏طَهّرَا بَيْتِىَ‏}‏ بنصب الياء وقرأ الباقون بسكون الياء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏126‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏126‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا‏}‏، يعني الحرم‏.‏ ‏{‏وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات‏}‏، فاستجاب الله تعالى دعاءه، فتحمل الثمار إلى مكة من كل جهة، فيوجد فيها في كل وقت من كل نوع واشترط إبراهيم في دعائه فقال‏:‏ ‏{‏مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله‏}‏‏.‏ وإنما اشترط هذا الشرط، لأنه قد سأل ربه الإمامة لذريته، فلم يستجب له في الظالمين، فخشي إبراهيم أن يكون أمر الرزق هكذا، فسأل الرزق للمؤمنين خاصة، فأخبره الله تعالى‏:‏ أنه يرزق الكافر والمؤمن، وأن أمر الرزق ليس كأمر الإمامة‏.‏ قالوا‏:‏ لأن الأمامة فضل، والرزق عدل، فالله تعالى يعطي بفضله من يشاء من عباده من كان أهلاً لذلك، وعدله لجميع الناس لأنهم عباده، وإن كانوا كفاراً‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً‏}‏، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام «فَأُمَّتِعَهُ» بالتخفيف من أمتعت، وقرأ الباقون بالتشديد من متَّعت، يعني سأرزقه في الدنيا يسيراً ‏{‏ثُمَّ أَضْطَرُّهُ‏}‏ أي مصيره، ويقال‏:‏ ملجأه ‏{‏إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير‏}‏ صاروا إليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏127- 129‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏127‏)‏ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏128‏)‏ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏129‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت‏}‏ ‏{‏يعني يبني إبراهيم القواعد، يعني أساس البيت، أي الكعبة‏.‏ والقواعد جماعة واحدها قاعدة‏.‏ ‏{‏وإسماعيل‏}‏، يعني إِسماعيل يعينه‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وفي الآية تقديم وتأخير، معناه وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت‏.‏ ويقال‏:‏ إن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يعينه، والملائكة يناولون الحجر من إسماعيل، وكانوا ينقلون الحجر من خمسة أجبل‏:‏ طور سيناء وطور زيتاء والجودي ولبنان وحراء؛ فلما فرغا من البناء، قالا ‏{‏رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا‏}‏ يعني أعمالنا‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم‏}‏، أي السميع لدعائنا بنياتنا‏.‏

وفي الآية دليل‏:‏ أن الإنسان إذا عمل خيراً ينبغي أن يدعو الله بالقبول، ويقال‏:‏ ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابنى ءْادَمَ بالحق إِذْ قَرَّبَا قربانا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر قَالَ لاّقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وروي في الخبر أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لما فرغا من البناء، جثيا على الركب وتضرعا وسألا القبول، فقال جبريل لإبراهيم‏:‏ قد أجيب لك، فاسأل شيئاً آخر، فقالا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏، أي مخلصين لك، ويقال‏:‏ واجعلنا مثبتين على الإسلام، ويقال‏:‏ مطيعين لك، ويقال‏:‏ أمتنا على الإسلام‏.‏

‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ‏}‏، أي اجعل بعض ذريتنا من يخلص لك، ويثبت على الإسلام‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا‏}‏‏.‏ أي علمنا أمور مناسكنا‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الرؤية المعاينة كقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 60‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 20‏]‏‏.‏ ويقال‏:‏ تذكر الرؤية ويراد بها العلم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والارض كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَئ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 30‏]‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏أَرِنَا * مَنَاسِكَنَا‏}‏، أي عملنا‏.‏ وكقوله ‏{‏لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله‏}‏‏.‏ قرأ ابن كثير ومن تابعه من أهل مكة ‏{‏وَأَرِنَا‏}‏ بجزم الراء في جميع القرآن، والباقون بكسر الراء، وهما لغتان والكسر أظهر وأفصح‏.‏ وقال ابن عباس في رواية أبي صالح‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ‏}‏ أي مطيعين وموحدين ‏{‏وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ‏}‏، أي جماعة موحدة مطيعة لك‏.‏ ويقال‏:‏ أشكل عليهما موضع البيت، فبعث الله تعالى سحابة فقالت له‏:‏ ابن بخيالي، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت بخيال السحابة‏.‏ ثم قال تعالى ‏{‏وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا‏}‏ أي تجاوز عنا الزلة، ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم‏}‏ بعبادك‏.‏

‏{‏رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك‏}‏‏.‏

قال مقاتل‏:‏ لأن إبراهيم علم أن في ذريته من يكون كفاراً، فسأل الله تعالى أن يبعث فيهم رسولاً فقال‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك‏}‏، يعني القرآن‏.‏ ‏{‏وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب‏}‏، أي القرآن ‏{‏والحكمة‏}‏، أي مواعظ القرآن من الحلال والحرام‏.‏ ويقال‏:‏ علم التفسير‏.‏ ‏{‏وَيُزَكّيهِمْ‏}‏ أي يطهرهم من الكفر والشرك‏.‏ ويقال‏:‏ يأمرهم بالزكاة ليطهر أموالهم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ استجاب الله دعاءه في سورة الجمعة‏.‏ وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى بَعَثَ فِى الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 2‏]‏ وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أَنَا دَعْوَةُ أبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى عليهما السلام» وهي قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابنى إسراءيل إِنِّى رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بالبينات قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 6‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم‏}‏، أي المنيع الذي لا يغلبه شيء، ويقال‏:‏ العزيز الذي لا يعجزه شيء عما أراد‏.‏ ويقال‏:‏ العزيز بالنقمة، ينتقم ممن عصاه متى شاء، الحكيم في أمره الذي يكون عمله موافقاً للعلم‏.‏